|
الإنسانية
العليا
وتحت عنوان " الإنسانية العليا"
يقول الرافعي : من
أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان متواصل
الأحزان ، دائم الفكرة ، ليست له راحة ، طويل
السكت ، لا يتكلم في غير حاجة ، ليس بالجافي ولا
المهين ، يعظم النعمة وإن دقت لا يذم منها شيئا ،
ولا تغضبه الدنيا ولا ماكان لها ، فإذا تعدى الحق
لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه
ولا ينتصر لها ، وكان خافض الطرف ، نظره إلى الأرض
أطول من نظره إلى السماء ، من رآه بديهة هابه ،
ومن خلطه معرفة أحبه ، لا يحسب جلسه أن أحدا أكرم
عليه منه ، ولا يطوي عن أحد من الناس بشره ، قد
وسع الناس بسطه وخلقه ، فصار لهم أبا ، وصاروا
عنده في الحق سواء ، يحسن الحسن ويقويه ، ويقبح
القبيح ويوهيه ، معتدل الأمر غير مختلف ، وكان أشد
الناس حياء ، لا يؤيس راجيه ، ولا يخيب عافيه ومن
سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول ،
أجود الناس بالخير .
وتعليقا على هذا الكلام العذب يقول الأستاذ
"سعد كريم الفقي" محقق كتاب وحي القلم : " مما لا
شك فيه أن أبرز صفة في حياته صلى الله عليه وسلم
هي "النبوة" والنبوة هي من المعاني الغيبية التي
لا تخضع لمقايسنا المحسوسة وإذا فإن معنى المعجزة
الخارقة قائم في أصل كيانه عليه الصلاة والسلام
فبجانب ذكائه صلى الله عليه وسلم وفطنته وعبقريته
وشجاعته وسياسته للأمور توجد صفة النبوة وهي أهم
الصفات وأشرفها" .
ثم يقول الرافعي : " صلى الله وسلم على
صاحب هذه الصفات التي لا يجد الكمال الإنساني
مذهبا عنها ولا عن شيء منها ، ولا يجد النقص
البشري مساغا إليها ولا إلى شيء منها ، ففيها
المعنى التام للإنسانية ، كما أن فيها المعنى
التام للحق ، ومن اجتماع هذين يكون فيها المعنى
التام للإيمان .
هي صفات إنسانها العظيم ، وقد اجتمعن له
لتأخذ عنه الحياة إنسانيتها العالية ، فهي بذلك من
برهانات نبوته ورسالته . ولو جمعت كل أوصافه
صلى الله عليه وسلم ، ونظمتها بعضها إلى بعض
واعتبرتها بأسرارها العلمية - لرأيت منها كونا
معنويا دقيقا قائما بهذا الإنسان الأعظم ، كما
يقوم هذا الكون الكبير بسننه وأصول الحكمة فيه ،
ولأيقنت أن هذا النبي الكريم إن هو إلا معجم نفسي
حي ألفته الحكمة الإلهية بعلم من علمها ، وقوة من
قوتها ، لتتخرج به الأمة التي تبدع العالم إبداعا
جديدا ، وتنشئه النشأة المحفوظة له في أطوار كماله
" .
النبي وخوارق
العادات
وحول حياة الرسول الخاصة والعامة ، يقول
العلامة الشيخ محمد الغزالي ، رحمة الله ، في
كتابه " فقه السيرة" ، تحت عنوان "النبي وخوارق
العادات" : "جرت حياة الرسول عليه الصلاة
والسلام - الخاصة والعامة - على قوانين الكون
المعتادة ، فلم تخرج - في جملتها - عن هذه السنن
القائمة الدائمة .
هو - من حيث إنه بشر - يجوع ويشبع ، ويصح
ويمرض ، ويتعب ويستريح ويحزن ويسر ، ولكن الناس
أنفسهم ، في هذه النواحي ، صنوف تجمعها قاعدة عامة
، منهم المتهالك على ضروراته ، فلو نقص حظه منها
قليلا طاش لبه وخارت قواه . ومنهم الجلد الصبار
يجزئه النزر اليسير ، ويمضي لغايته رافع الرأس
موطد العزم .
إن الآلات التي تدار بالزيوت تتفاوت : منها
الرديء الذي يستهلك أثقال الوقود ولا يجدي فتيلا .
ومنها الجيد الذي يروع إنتاجه على قلة إمداده .
والبشر كذلك مع أبدانهم وضروراتها ومرفهاتها
.. والمطالع لسيرة محمد بن عبد الله يرى من
طبيعة حياته الخاصة صلابة المعدن الذي صبغ منه
بدنه صياغة أعجزت العمالقة ، وامكنت صاحبه من أن
يحمل أعباء الحياة مشاق الجهاد ، ولأواء العيش ،
وهو منتصب مقدام .
نعم . هناك من العباقرة عمي وصم وممعودون
ومصدورون . غير أن العبقرية شأن دون النبوة ، ومن
تمام نعمة الله على امريء ما أن يرزق العافية من
الأدواء كلها لتتم بهذه العافية السابغة العناصر
التي تصحح نظرته إلى الحياة ومسلكه فيها .
وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم - من هذه
الناحية - بشرا كاملا . وكانت حياته متسقة مع سنن
الله الكونية في البطولات الممتازة . أما
حياته العامة - رسولا يبلغ عن الله ويربي المؤمنين
، ويقاوم الكافرين ، ويدأب على نشر دعوته حتى تؤتي
ثمارها في الآفاق - فلا شك أن القرآن العزيز هو
مهادها وبناؤها" .
درس في
الإنصاف
خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته
فقال : " من كنت جلدت له ظهرا .. فهذا ظهري
فليستقد منه . ومن كنت شتمت له عرضا .. فهذا عرضي
فليستقد منه . ومن كنت أخذت له مالا .. فهذا مالي
فليستقد منه .
ألا إن الشحناء ليست من طبيعتي . ولا من
شأني . ألا وإن أحبكم إلى : من أخذ حقا كان له ..
أو حللني .. فلقيت الله وأنا طيب النفس .
وفي تعليقه على هذا الموقف ، كتب الدكتور
محمود محمد عمارة (جامعة الأزهر) في مقال له بمجلة
الأزهر ، تحت عنوان " درس في الإنصاف" يقول :
" إن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي آخر عهده
بالحياه يوزع تركته ، وتركته كإخوته من الأنبياء
ليست دينارا ولا درهما .. وإنما هي القيم التي
يمكن لها في القلوب حتى في اللحظة التي يشغل فيها
الإنسان بنفسه .. وهو يجود بآخر أنفاسها .
وحين تختلط المباديء بالمصالح .. وتتشابك
الأفكار مع العواطف .. فإنه صلى الله عليه سلم
يحرر المباديء مما علق بها من أهواء البشر .
وإذا كان أصحاب المنافع يدورون معها حيث
دارت .. ولو على أشلاء الضحايا .. فإن أرباب
المباديء .. يكونون حيث تكون القيم .. وإن لم
تتحقق لهم مصلحة فردية . .
|