|
ويقول
المؤرخون أن الوجود الإسلامي في أوروبا الشرقية
يرجع إلى القرن الثالث الهجري ، حيث ذكروا أن
جماعة من المسلمين كانوا يتاجرون بالفراء مع أهل
أوروبا ، كانوا قد استقروا على ضفاف نهر "الفولجا"
، ثم تواصلوا مع الخليفة العباسي "المقتدر" في
بغداد ، طالبين أن يبعث إليهم بمن يفقههم في الدين
، فأرسل إليهم جماعةً من المسلمين برئاسة "ابن
فضلان" الذي كتب وصفا لرحلته الشهيرة إلى بلاد
البلغار .
ومع اعتناق القبائل التتارية
التي غزت أوروبا الإسلام ، وبخاصة "القبيلة
الذهبية" التي كانت تسيطر على منطقة شمال البحر
الأسود وحوض نهر "الفولجا" الأسفل ، توسع أمر
الدين الإسلامي الحنيف .
وحدث أن هاجر
مسلمو الفولجا وانتشروا في بلاد البلقان ، ولكن
أثرهم على أهل البلاد الأصليين كان محدوداً
.
أما الباب الواسع الذي دخل منه الإسلام إلى
أوروبا الشرقية ، فكان الفتوحات العثمانية التي
تُوّجت بالسيطرة على مضيق الدردنيل وفتح
القسطنطينية عام 1453م .
وكانت الجيوش
العثمانية قد عبرت الدردنيل وسيطرت على "ثريس"
التي تقع في الزاوية الشمالية الشرقية من اليونان
المعاصر ، في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي .
وحاول الصرب والبلغار استعادة المنطقة ، لكنهم لم
يصمدوا أمام السلطان "با يزيد" المسمى بالصاعقة ،
الذي هزمهم هزيمة ساحقة في معركة "كوسوفا عام
1389م ، والذي واصل تقدمه للسيطرة على بلاد الصرب
في عام 1391م ، ثم بلغاريا عام 1391م ، ثم توقف
الزحف العثماني بعد ذلك إلى حين بسبب غزو جحافل
"تيمورلنك" المغولي للأناضول .
لكن
العثمانيون أعادوا تشكيل قوتهم ووسعوا مملكتهم مرة
ثانية ، فقاموا بغزو أوروبا من جديد ، واستطاعوا
الاستيلاء على "ألبانيا" و "سلونيكا" في عام 1430م
، ثم صربيا عام 1439م ، ثم جاء الفتح العظيم
للقسطنطينية ، عاصمة الإمبراطورية الرومانية
الشرقية عام 1453م ، على يد السلطان محمد الفاتح
.
ووقع ميناء "جاليبولي" في أيدي المسلمين
في نفس العام مما سهل السيطرة على شبة جزيرة
البلقان ، ثم تم لهم فتح جنوب اليونان 1458م
والبوسنة 1463 وواچيا "رومانيا" عام 1475م
.
 محمد الفاتح
يوجه جيشه نحو
القسطنطينية
واستمر
الزحف الإسلامي العثماني المظفر حتى مدينة "فيينا"
، التي حوصرت في الثاني عشر من سبتمبر 1683م ،
وطال حصارها ، لكن دون فتح ، حيث كان نجم
الإمبراطورية العثمانية في طريقه إلى الأفول
. وكان أهل البوسنة ، قبل الفتح الإسلامي
التركي يدينون بالنصرانية ، وكانت لهم دولة وملوك
.
وفي عهد السلطان "مراد الأول" (
761-791هـ ) ، بدأ الإسلام ينتشر في البوسنة ، حيث
كان بين ملكهم والسلطان "مراد" عهداً ، يدفعون
بموجبه الخراج للدولة العلية . وقد استمر هذا
الوضع إلى أن تولى السلطان محمد الفاتح الحكم ،
فنقض ملك البوسنة العهد وامتنع عن دفع الجزية ،
فسيّر إليه السلطان العثماني جيشا حاربه وأسره
وقتله بعد قتال شديد ، دخلت بعدها البوسنة حظيرة
الإسلام ، وأسلم أغلب أهلها وبخاصة الأشراف ، وذلك
في عام 867هـ ، فيما تأخر فتح الهرسك 20 سنة
.
أهل البوسنة أحباء
الإسلام
عرف عن أهل البوسنة والهرسك تدينهم وحبهم
للإسلام ، لا فرق في ذلك بين العالم والجاهل
والرجل والمرأة ، ومن خصالهم حبهم لسائر المسلمين
حبا بالغاً ، واعتقادهم أن كل مسلم ، أخ لهم ،
متمثلين قوله تعالى " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ " ( الحجرات: 10) ، كما عرف عنهم سلامة
عقائدهم ، واحتفاظهم بالعادات الإسلامية . وقال
القرماني عن البوسنة : "وأهلها أحسن الناس
خلقا".
ويتحدث
مسلمو البوسنة مثل جيرانهم الصرب والكروات ، لغة
قريبة من الروسية ، وللمسلمين ألفاظ كثيرة تركية
وعربية دخلت إليهم بدخول الإسلام . أما أحرف لغتهم
، فلها كتابتان ، كتابة بالحروف اللاتينية ،
وكتابة مأخوذة من الحروف اليونانية القديمة .
وللمسلمين بخاصة كتابة بالحروف العربية اصطلحوا
فيها على اصطلاحات توافق لغتهم .
أما
مذهبهم ، فيتبعون مذهب الإمام أبو حنيفة ، رضي
الله تعالى عنه . وهم على بعدهم من اللغة العربية
، وصعوبة منالها عليهم ، وعدم اعتيادهم على مخارج
حروفها ، ينشط أطفالهم في حفظ القرآن الكريم
.
وتتمتع البوسنة والهرسك بحدود مثالية ،
فحدودها طبيعية تتمشى مع العوامل الإثنوجرافية
والتاريخية ، حيث يفصلها عن كرواتيا نهر "أونا"
وعن صربيا نهر " درينا" وعن "دالما" سلسلة جبال
شاهقة ، وعن "الجبل الأسود" منطقة تفريع نهر
"نيرتفا" وسلسلة جبلية ، الأمر الذي يجعل من
اقتطاع أي جزء من البوسنة ، تدخلاً غير طبيعي في
التركيبة الجغرافية والتاريخية لهذا البلد ، ما
يؤدي إلى خلق حالة من عدم الاستقرار في المنطقة
. |