|
اسم "صلاح الدين" يحمل لدى الغربيين مرارتين ،
الأولى استرداده القدس وإنهاؤه المملكة الصليبية
فيها ، والثانية ، سمعته الرائعة بالتسامح
والفروسية ، حتى صار ، وهو العدو ، المثل الأعلى
لعدد كبير من فرسان الفرنجة في ذلك الزمان الغابر
.
حاول "بطريرك القدس" وهو يستثير الناس
في أوروبا– بصورة مزورة للقبر المقدس .. يدنسه
المسلمون – أن يشوه سمعة صلاح الدين ، لكن الوقائع
التي رواها الصليبيون العائدون من الشرق ، كذبت
تلك الدعاية الزائفة .
بدأ صلاح الدين
(يوسف بن أيوب 1137-1193م) الإهتمام بالحرب
والسياسة وهو في الثامنة والعشرين من العمر ، حين
أرسله "نور الدين زنكي" مع الحملات إلى مصر ، ثم
صار الرجل الأول في الشام ومصر بعد وفاة نور الدين
.
وقد شملت سلطنته ما بين برقة وأرمينيا
واليمن ، وبنى عددا من الحصون والمدارس
و"البيمارستانات" (مستشفيات) . وامتاز عهده بهندسة
معمارية عسكرية .. ازدهرت خلالها هندسة المدن
بالترافق مع ازدهار العلوم والصناعات والفنون ،
وامتد حكمه لمصر لأربعة وعشرين عاما ، وللشام تسعة
عشر عاما ، وتوفى ودفن في دمشق بجوار الجامع
الأموي .
صلاح الدين هو يوسف بن أيوب بن
شاذي بن مروان ، أبو المظفر الملك الناصر صلاح
الدين الأيوبي ، وكان أبوه وأهله من قرية تقع شرق
أذربيجان ، من قبيلة "الروادية" الكردية .
كان لجده "شاذي" ولدان هما : أيوب وشيركوه
، نزل بهما إلى تكريت ، وفيها ولد لأيوب عام
(532هـ - 1137م) ولد دعاه يوسف ، وفيها مات الجد .
وفي تكريت تولى أيوب أعمالا ، ثم خرج مع شيركوه
إلى الموصل ، حيث التحقا بخدمة صاحبها عماد الدين
زنكي ، ثم ابنه نور الدين محمود من بعده ، صاحب
دمشق وحلب ، حيث تبوأ منزلة رفيعة عنده . وتلقب
أيوب بـ "نجم الدين" ، وشيركوه بـ "أسد الدين" ،
ويوسف بـ "صلاح الدين" .
نشأ صلاح الدين وتربى في مناخ مشبع بروح
الجهاد ، وكان يمتلك قلباً شجاعاً جسوراً . وذات
مرة كان هو وكاتبه العماد الأصفهاني يركبان البحر
، وحدث أن هاجت الأمواج ، فحدثه الأصفهاني أنه
يخاف من البحر ، ولكنه وجد قائده لا يبالي ، فسأله
: كيف لا تخاف أنت ، فقال له : ما هي أشرف الميتات
، قال أشرف الميتات الموت في سبيل الله ، قال فهذه
هي غايتي ، غايتي أن أموت أشرف الميتات ، لا أموت
على فراشي ، أحسن ما أموت عليه أن أموت في سبيل
الله ، أن تصيبني ضربة بسيف أو رمية برمح أو طعنة
بسهم فأقتل في سبيل الله .
وكان إلى جانب
هيبته رقيق النفس والقلب ، محبا للعلم ، بعيد
النظر ، متواضعا ، يشعر من يقترب منه بالحب مع
الهيبة .
الهجوم
الصليبي على المشرق
كان المشرق الإسلامي ، في تلك الفترة ،
قد عرف صحوة حربية بدخول جموع السلاجقة الترك
أراضي الخلافة العباسية ، وحملهم أعباء الحكم
والحروب فيها ، منذ عام 1055م . ومن أروع ما فعلوه
أنهم هزموا الإمبراطورية البيزنطية في موقعة
"ملازكرد" عام 1071م حيث انتزعوا منها معظم آسيا
الصغرى ، كما صاروا حكام الشام ، بما فيه القدس
الشريف ، بعد أن أخذوه من الفاطميين .
.
عبرت جموع الصليبيين بعد القسطنطينية آسيا
الصغرى ، وهزمت السلاجقة في دوريليوم عام 1097 ،
ووقفت طويلا عند "إنطاكية" حتى احتلتها عام 1098 ،
|